فخر الدين الرازي
230
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
رمضان ، على رجاء أنه ربما كانت هذه الليلة هي ليلة القدر ، فيباهي اللّه تعالى بهم ملائكته ، ويقول : كنتم تقولون فيهم يفسدون ويسفكون الدماء فهذا جده واجتهاده في الليلة المظنونة ، فكيف لو جعلتها معلومة له ! فحينئذ يظهر سر قوله : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 30 ] . المسألة السادسة : اختلفوا في أن هذه الليلة هل تستتبع اليوم ؟ قال الشعبي : نعم يومها كليلتها ، ولعل الوجه فيه أن ذكر الليالي يستتبع الأيام ، ومنه إذا نذر اعتكاف ليلتين ألزمناه بيوميهما قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً [ الفرقان : 62 ] أي اليوم يخلف ليلته وبالضد . المسألة السابعة : هذه الليلة هل هي باقية ؟ قال الخليل : من قال إن فضلها لنزول القرآن فيها يقول انقطعت وكانت مرة ، والجمهور على أنها باقية ، وعلى هذا هل هي مختصة برمضان أم لا ؟ روي عن ابن مسعود أنه قال : من يقم الحول يصبها ، وفسرها عكرمة بليلة البراءة في قوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [ الدخان : 3 ] والجمهور على أنها مختصة برمضان واحتجوا عليه بقوله تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [ البقرة : 185 ] وقال : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فوجب أن تكون ليلة القدر في رمضان لئلا يلزم التناقض ، وعلى هذا القول اختلفوا في تعيينها على ثمانية أقوال ، فقال ابن رزين : ليلة القدر هي الليلة الأولى من رمضان ، وقال الحسن البصري : السابعة عشرة ، وعن أنس مرفوعا التاسعة عشرة ، وقال محمد بن إسحاق : الحادية والعشرون . وعن ابن عباس الثالثة والعشرون ، وقال ابن مسعود : الرابعة والعشرون ، وقال أبو ذر الغفاري : الخامسة والعشرون ، وقال أبي بن كعب وجماعة من الصحابة : السابعة والعشرون ، وقال بعضهم : التاسعة والعشرون . أما الذين قالوا : إنها الليلة الأولى [ فقد ] قالوا : روى وهب أن صحف إبراهيم أنزلت في الليلة الأولى من رمضان والتوراة لست ليال مضين من رمضان بعد صحف إبراهيم بسبعمائة سنة ، وأنزل الزبور على داود لثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان بعد التوراة بخمسمائة عام وأنزل الإنجيل على عيسى لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان بعد الزبور بستمائة عام وعشرين عاما ، وكان القرآن ينزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في كل ليلة قدر من السنة إلى السنة كان جبريل عليه السلام ينزل به من بيت العزة من السماء / السابعة إلى سماء الدنيا ، فأنزل اللّه تعالى القرآن في عشرين شهرا في عشرين سنة ، فلما كان هذا الشهر هو الشهر الذي حصلت فيه هذه الخيرات العظيمة ، لا جرم كان في غاية الشرف والقدر والرتبة فكانت الليلة الأولى منه ليلة القدر ، وأما الحسن البصري فإنه قال : هي ليلة سبعة عشر ، لأنها ليلة كانت صبيحتها وقعة بدر ، وأما التاسعة عشرة فقد روى أنس فيها خبرا ، وأما ليلة السابع والعشرين فقد مال الشافعي إليه لحديث الماء والطين ، والذي عليه المعظم أنها ليلة السابع والعشرين ، وذكروا فيه أمارات ضعيفة أحدها : حديث ابن عباس أن السورة ثلاثون كلمة ، وقوله : هِيَ هي السابعة والعشرون منها وثانيها : روي أن عمر سأل الصحابة ثم قال لابن عباس : غص يا غواص فقال زيد بن ثابت : أحضرت أولاد المهاجرين وما أحضرت أولادنا فقال عمر : لعلك تقول : إن هذا غلام ، ولكن عنده ما ليس عندكم . فقال ابن عباس : أحب الأعداد إلى اللّه تعالى الوتر أحب الوتر إليه السبعة ، فذكر السماوات السبع والأرضين السبع والأسبوع ودركات النار وعدد الطواف والأعضاء السبعة ، فدل على أنها السابعة والعشرون وثالثها : نقل أيضا عن ابن عباس ، أنه قال : ليلة القدر تسعة أحرف ، وهو مذكور ثلاث مرات فتكون السابعة والعشرين ورابعها : أنه كان لعثمان بن أبي العاص غلام ، فقال : يا مولاي إن البحر يعذب ماؤه ليلة من الشهر ،